عبد الحي بن فخر الدين الحسني
137
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
أمم عظيمة قديمة يختلف لغات الأكثر منهم أشد الاختلاف ، وهم زهاء أربع عشرة طائفة ، لكل منها سلطان كالإنكليس والفرانسيس والألمان والولنديز والأسبانيون والپرتگيس والدينمارك والروس والسويد والبروس والإيتاليان ، وملتهم قاطبة النصرانية ، إلا أن فرقا منهم قد غلب عليهم الميل إلى طريقة الحكماء الطبيعيين من قرب المدة المذكورة ( أي من قرب ثلاثمائة سنة ) ، والروس أوسعهم مملكة لا يقاس بها كل الهند ، والإنكليس أقربهم إلى طريقة الحكمة علما وعملا وأشدهم غلبة وشوكة في البحر لاختصاصهم بكثرة المراكب وإتقان صنعتها والمهارة في تسييرها والمحاربة عليها ، يشتمل أعظمها على مائة وعشرين مدفعا فما دون ذلك إلى عشرين ، وإنما اعتنوا بذلك كثيرا من دون سائر الأقوام لأن أرضهم جزيرة يحيط بها البحر من الأطراف لا اتصال لها بهذه الأرض بخلاف سائر الإفرنجة فإنها متصلة بها ، لكن هذه الجزيرة قريبة من ساحل ملك الفرانسيس جدا وعرض الماء الذي بينهما اثنا عشر فرسخا ، وقد شاعت العلوم اللسانية ومعرفة اللغات القديمة في عامة بلاد الإفرنج كالعربية واليونانية والرومية التي تسمى « ليتن » وأكثر كتبهم بها ، واشتد ولوعهم بتعلم اللغات المختلفة التي لهم خصوصا لسان الفرانسيس حتى لا يفوتهم شئ مما قد تعثر عليه قوم دون قوم ، وكلما صنف في بلدة كتاب ترجمه الآخرون واتسع باب التصنيف والتأليف أصلا ونقلا من لغة إلى أخرى ، ويوجد جم غفير من المصنفين في كل عصر بل صار هذا بابا عظيما لكسب المال ، فان من صنف كتابا يخرجه إلى من يطبع الكتب فيعمل له في شهور ألوفا منه حسب ما اشتهاه لا يختلف خطا وشكلا وصحة وسقما ، بل كلها على نمط واحد في غاية الصحة والجودة ، وتباع لأجل سهولة العمل بقيمة يسيرة يمكن الكل شراؤها فيعود الربح على المصنف ، وطبع الكتب صناعة شريفة عظيمة النفع من جهات شتى ، ظهر في تلك البلاد من قرب المدة المذكورة ، ولا يخلون من رغبة